ابن قيم الجوزية

315

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وبالجملة فمن قرىء عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من اللّه يخاطبه به . فإذا حصل له - مع ذلك - السماع به وله وفيه ، ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه . وازدلفت إليه بأيهما يبدأ ، فما شئت من علم وحكمة ، وتعرف وبصيرة ، وهداية وغيرة . وأما الوقوف على الغاية في كل حين : فهو التطلب والسفر إلى الغاية المقصودة بالمسموع الذي جعل وسيلة إليها . وهو الحق سبحانه . فإنه غاية كل مطلب وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) [ النّجم : 42 ] وليس وراء اللّه مرمى ، ولا دونه مستقر ، ولا تقرّ العين بغيره البتة ، وكل مطلوب سواه فظل زائل ، وخيال مفارق مائل وإن تمتع به صاحبه فمتاع الغرور . وأما الخلاص من التلذذ بالتفرق : فالتفرق في معاني المسموع ، وتنقل القلب في منازلها يوجب له لذة ، كما هو المألوف في الانتقال . فليتخلص من لذة تفرقه التي هي حظه ، إلى الجمعية على المسموع به وله ومنه . ولم يقل الشيخ : « من التفرق » فإن المسموع إنما يدرك معناه ويفهم بالتفرق لتنوعه . ولكن ليتخلص من لذته . لا منه . لئلا يكون مع حظه . وهذا من لطف أحوال السامعين المخلصين . سماع خاصة الخاصة قال : « وسماع خاصة الخاصة : سماع ينفي العلل عن الكشف ، ويصل الأبد إلى الأزل ، ويرد النهايات إلى الأول » . فالكشف : هو مكافحة القلب لحقيقة المسموع . وعلله أمران : أحدهما : الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة . فلا تبقى معها شبهة . فهذا هو عين اليقين . والثاني : نفي الوسائط بين السامع والمسموع . فيغيب بمسموعه عنها . ويفنى عن شهودها ، ويفنى عن شهود فنائه عنها . بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي ، فمنه الإسماع ، ومنه الهداية ، ومنه الابتداء ، وإليه الانتهاء . وأما وصله الأبد إلى الأزل : فهذا إن - أخذ على ظاهره - : فهو محال . لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض ، فإيصال أحدهما إلى الآخر عين المحال . وإنما مراده : أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد كان في الأزل معلوما مقدرا . فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة . وصار الأزلي أبديا ، كما كان الأبدي أزليا في العلم والحكم . وإيضاح ذلك : أن الأبد ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا ، فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه وحكمته ، وذلك أزلي . وهذا رد النهايات إلى الأول . فتصير الخاتمة هي عين السابقة . واللّه تعالى هو الأول والآخر . وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى سابق علمه وحكمه . فرجع الأبد إلى الأزل ، والنهايات إلى الأول . واللّه أعلم . منزلة الحزن ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الحزن » . وليست من المنازل المطلوبة ، ولا المأمور بنزولها ، وإن كان لا بد للسالك من نزولها . ولم يأت « الحزن » في القرآن إلا منهيا عنه ، أو منفيا .